القرطبي
112
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس ، أي من يقدر أن يرقي من الموت . وعن ابن عباس أيضا وأبي الجوزاء أنه من رقي يرقى : إذا صعد ، والمعنى : من يرقى بروحه إلى السماء ؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ وقيل : إن ملك الموت يقول من راق ؟ أي من يرقى بهذه النفس ، وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها ، فيقول ملك الموت : يا فلان اصعد بها . وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى : " من راق " واللام في قوله : " بل ران " لئلا يشبه مراق وهو بائع المرقة ، وبران في تثنية البر . والصحيح ترك الاظهار ، وكسرة القاف في " من راق " ، وفتحة النون في " بل ران " تكفى في زوال اللبس . وأمثل مما ذكر : قصد الوقف على " من " و " بل " ، فأظهرهما ، قاله القشيري . قوله تعالى : " وظن " أي أيقن الانسان " أنه الفراق " أي فراق الدنيا والأهل والمال والولد ، وذلك حين عاين الملائكة . قال الشاعر : فراق ليس يشبهه فراق * قد انقطع الرجاء عن التلاق ( والتفت الساق بالساق ) أي فاتصلت الشدة بالشدة ، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما . وقال الشعبي وغيره : المعنى التفت ساقا الانسان عند الموت من شدة الكرب . وقال قتادة : أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى . وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضا : هما ساقا الانسان إذا التفتا في الكفن . وقال زيد ابن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت . وقال الحسن أيضا : ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه ، ولقد كان عليهما جوالا . قال النحاس : القول الأول أحسنها . وروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس : " والتفت الساق بالساق " قال : آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله ، أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع ، والدليل على هذا قوله تعالى : " إلى ربك يومئذ المساق " وقال . مجاهد : بلاء ببلاء . يقول : تتابعت عليه الشدائد . وقال الضحاك وابن زيد : اجتمع عليه أمران شديدان : الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه ، والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن